محمد أبو زهرة
258
المعجزة الكبرى القرآن
وفي الدعوى الثالثة ادعاء الاشتراك في الخلق والتكوين بالزعم لا بالحقيقة وهذه باطلة بل اللّه خالق كل شئ وهو الواحد القهار ، وبذلك يتحقق الحكم فيما هو صادق واقع ، لا فيما هو مزعوم مختلق . ومن المقابلات القرآنية التي دلت على البعث ، وكان فيها رد على أوهام للكافرين في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) [ الأحقاف : 33 ، 34 ] . ونرى هنا استدلالا على أن البعث ممكن في ذاته ، والتصديق به واجب ، لأن اللّه تعالى أخبر به على لسان نبيه الكريم وفي كتابه المكنون ، إذ جاء به القرآن الكريم ، ودعا إليه محمد الأمين . وكان الاستدلال بطريق المقابلة ، وكانت المقابلة بين إنشاء الأحياء ابتداء والخلق والتكوين من غير سابق ، وأن القدرة فيه كانت ، ولم يعى بخلقهن ، وبين الإعادة للأجسام التي خلقت ثم صارت رميما ، وأنه إذا كانت قد وجدت ، فالثانية قد تجىء ، وهي تجىء إذ أخبر بها العزيز الحميد ، القادر على كل شئ . وأنه بهذه المقابلة ، بين الإنشاء والإعادة ، وبين الخلق من غير أصل سابق ، والإعادة ينتهى به ذو العقل الرشيد إلى الحكم بأن البعث ممكن في ذاته ، وأنه واجب الاعتقاد لأن اللّه تعالى أخبر به ، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ الرعد : 5 ] . ومن الآيات الدالة على أن اللّه تعالى خالق كل شئ ، واعتمدت الدلالة فيها على المقابلة قوله تعالى : نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) . [ الواقعة : 57 - 74 ]